ضوء يتهشم ببطء للكاتب غريب صبحي
ضوء يتهشم ببطء
بقلم
غريب صبحي
...........................................
كنت أشعر دائما أنني أسير في طريق لا أعرف نهايته وأن الأرض التي أمشي فوقها ليست أرضا بل ذاكرة شخص آخر استعارني لحظة ثم نسى أن يعيدني لنفسي كنت أراقب ظلي وهو يبتعد خطوة كلما اقتربت خطوة كأن بيني وبينه اتفاقا قديما على ألا نلتقي مهما اشتدت حاجتي لأن أصدق شيئا في هذا العالم الذي يصنع الوجوه كما يصنع الأقنعة ويخلط الحقيقة بالنجاة حتى لا نعرف ماذا نحمل داخلنا ولا لأي جهة نهرب حين يشتعل الليل في صدورنا
كنت أعيش ببطء مصابا بنوع من الوعي الذي لا يرحم الوعي الذي يجعل كل تفصيلة صغيرة جرحا له صوت من ورق ينزف دون توقف كنت أرى نظرات الناس فأشعر أنهم يبحثون عن شيء ينقذهم هم لا عن شيء يمكنه إنقاذي كنت أراهم راكضين خلف ضوء ليس ضوءهم ومتمسكين بيد ليست يدهم خائفين من الاعتراف بأنهم خائفون خائفين من أن يقولوا إنهم متعبون حتى من النجاة نفسها
ومع الوقت بدأت أشعر أنني أتحول إلى مرآة كبيرة تلتقط كل شيء ولا تعكس شيئا مرآة مثقوبة من المنتصف يمر منها الهواء والحزن والوجوه العابرة دون أن يبقى شيء لي كنت أفقد قدرتي على التمسك بما يثبتني وأفقد رغبتي في أن أبدو صلبا أمامهم بينما داخلي يتصدع في صمت يسمعه فقط من يشبهون الكواسر القديمة التي تتنفس الألم وتعيش عليه لأن العالم ليس عادلا ولا رحيما بل موزع أقدار يضع الشعور في يد من لا يعرف قيمته ويضع السؤال في فم من لا يعرف الجواب ويتركنا نبحث عن بداية لم تبدأ ونهاية لا تأتي
كلما حاولت أن أشرح لنفسي لماذا ينهار الإنسان من الداخل قبل أن ينهار من الخارج كنت أجد أن الانهيار ليس سقوطا بل نضوجا مريرا نضوجا يكشفك كما أنت بلا قناع بلا مبررات بلا أناقة نفسية ويجعلك تقف أمام حقيقة لا أحد يجرؤ على مواجهتها أن ما نخشاه ليس العالم بل الصوت الذي بداخلنا الصوت الذي يقول إننا لم نُخلق كما كنا نتمنى وإننا نحمل تاريخا لم نختره وندفع ثمن طرق لم نمشها وأحلاما لم نطلبها ووجعا لا نعرف إلى متى سنحمله
كنت أتعثر بأشيائي الصغيرة تلك التي يظنها الناس عابرة لكنها بالنسبة لي كانت شظايا ضوء يتكسر داخلي بصمت ابتسامة شخص مررت به ولم تعد له ملامح واضحة كلمة ألقيتها على الطاولة قبل أن أغادر المكان وتمنيت لو عدت لأمسحها ذكرى رحلت قبل أن أرتاح من قسوتها صوت يوقظني كأنه يسألني من أنا ولماذا ما زلت هنا أصلا وما الجدوى من البقاء حين يشعر الإنسان أنه معلق بين سماء لا تفتح أبوابها وأرض لا تتذكره
ومهما حاولت أن أبدو متماسكا كان هناك صرخة صغيرة تعيش في عمق صدري صرخة لا يسمعها أحد لكنها تجرحني كلما حاولت إسكاتها كأن الصمت فيها ليس هدوءا بل نوع من أنواع الحريق الداخلي الذي لا يصنع ضوءا ولا يترك رمادا فقط يبقى يحترق كي يعرف المرء أنه ما زال على قيد الحياة حتى لو لم يعد يريد هذه الحياة
كنت أمشي ليلا كأن المدن كلها ممر واحد طويل وأن الناس ظل واحد متعدد الأشكال وأنني مجرد عابر لم يأت بحثا عن شيء ولم يغادر تاركا شيئا كنت أبحث عن إجابة لا أعرف سؤالها وعن عزاء لا أعرف من سيمنحه وعن لحظة واحدة صادقة لا أضطر فيها لإخفاء انهياري أو تغليف حزني أو تمثيل دور الناجي بينما أنا في الحقيقة غارق حتى آخر النفس
وفي منتصف هذا التيه كان هناك شعور ثقيل يمر بي كأنه يد تضعها الحياة على كتفي وتقول لي إن كل شيء مؤقت حتى الأوجاع مؤقتة والأمل مؤقت والظلال مؤقتة وحتى نحن مؤقتون لكن ما يبقى طويلا هو ذلك العمق المظلم الذي نحمله في داخلنا العمق الذي لا يراه الآخرون لأنه ليس للعرض وليس للشفقة وليس للمشاركة إنه الجزء الحقيقي الوحيد في الإنسان الجزء الذي لا يكذب ولا يتجمّل ولا يساوم الجزء الذي يسألك كل ليلة لماذا تحمل كل هذا وحدك ولماذا لا تنكسر بصوت مسموع ولماذا تخاف أن يراك الآخرون ضعيفا بينما كلهم يكسرون في الصمت نفسه
ورغم كل شيء رغم الليل الطويل رغم التعب الذي يسكن العظام رغم الخيبات التي تحولت إلى ضيوف دائمة في القلب كان هناك في داخلي ضوء صغير ينازع للبقاء ضوء لا يكفي لإنارة العالم لكنه يكفي لأتقدم خطوة ضوء هش لكنه صادق ضوء يتهشم ببطء لكنه لا ينطفئ ضوء يعرف أنني مهما تهدمت من الداخل ما زلت أبحث عن معنى ما زلت واقفا كي لا أموت وأنا جالس ما زلت أقاوم لأن اليأس ليس نهاية بل اختبار أخير لمعرفة ما إذا بقي في الإنسان ذرة حياة تستحق أن يقاتل لأجلها
وهكذا واصلت السير كأن الطريق نفسه كان ينتظرني كأن الألم نفسه كان دليل الرحلة وكأن الضوء المتكسر الذي أحمله هو الشيء الوحيد الحقيقي الذي لا يسلبه أحد ولا يراه أحد ولا يستطيع أحد أن ينتزعه مني حتى لو أخبروني ألف مرة أنني لا أصلح لشيء وأن العالم أكبر مني وأن العتمة أقوى مما أحتمل لأنني وحدي أعرف أنني ما زلت أتحرك وأن ما يتحرك لا يموت مهما بدا بطيئا مهما بدا منهكا مهما بدا كظل يتأخر عن صاحبه ليذكره أنه موجود حتى ولو على حافة الانطفاء
وهذا يكفيني الآن
أنه ما زال بداخلي شيء يقاوم ولو كان ضوءا يتهشم ببطء


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية