"حين يصير الوداع موت بطيء" للكاتبة راوية عبد الله
"حين يصير الوداع موت بطيء"
كنتُ أخاف من تلك اللحظة المكتوبة،
من رسالة الوداع التي تُغلق باب الحكاية ببطء،
كنتُ أرتجف من حروف الختام،
من جملةٍ أخيرة تنزع الحضور من القلب،
وتتركنا نرتجف في صقيع الفقد.
لكنّ الوداع لم يأتِ كما ظننت…
لم يأتِ بورقةٍ تُطوى،
ولا بكلماتٍ توجع لكنها تشرح.
جاء صامتًا،
كظلٍّ ينسحب من الغرفة دون أن يشعر به أحد،
كأبوابٍ تُغلق من الداخل…
دون صوت،
دون تفسير.
صار الوداع بلا رسالة،
وهذا أقسى ما في الأمر؛
أن تنتهي الحكاية دون أن تُقال،
أن يصبح الغياب عادة،
ويغدو الصمت اتفاقًا غير منطوق.
كنتُ أظنّ أن الرسالة، وإن أوجعت،
تحمل شيئًا من الكرامة،
شيئًا من التقدير،
شيئًا من الاعتراف بالحضور.
أمّا الوداع الصامت؟
فهو اقتلاعٌ بارد من الجذور،
رحيلٌ يسرق المعنى،
ويتركك تتأمّل الفراغ…
ويشبه الموت البطيء،
بحثًا عن سببٍ لم يُمنح لك أبدًا.
ذلك الصمت
كان أكثر ضجيجًا مما تخيّلت،
أكثر صراحةً مما تحتمل الروح،
وأكثر أنانيةً من كل الكلمات القاسية.
الرحيل بلا رسالة
إعلانُ نهايةٍ من طرفٍ واحد،
دفنٌ للشعور دون جنازة،
وكتابةٌ للنهاية بحبرٍ سرّي…
فتبقى تتساءل:
هل انتهى الأمر حقًا؟
أم أن هناك صفحةً
لم تُقلب بعد؟
لكنّي تعلّمت،
أن ليس كل وداعٍ يحتاج تبريرًا،
ولا كل غيابٍ ينتظر تفسيرًا.
أحيانًا،
ينتهي الآخر داخلك
قبل أن يرحل عنك.
وتبقى أنت،
في مواجهة الصمت،
تعيد قراءة ما لم يُكتب،
وتودّع
من لم يقل لك: وداعًا.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية