السبت، 7 فبراير 2026

(تحدي) للشاعر عبدلاله مهيوب الجمالي

 

(تحدي) 

اليوم، لا أكتب لأُعجب، ولا لأُهادن، ولا لأبحث عن تصفيقٍ عابر.

اليوم أضع هذا النص في ساحة التحدي، وأدعو النقاد إلى نقده بلا مجاملة، والفلاسفة إلى تفكيكه بلا خوف، وأصحاب العقول الكسولة إلى تجاوزه إن عجزوا عن احتماله. هذا الكلام ليس زينة لغوية، ولا تمرينا أسلوبيا، بل موقف يُختبر . 

                       👇👇

حين تنفصل المقاييس عن جوهرها


لو كانت الأشياء تُوزن بظلالها لا بحقائقها، لكان الضجيج عقلا، والتكديس علما، والبطش هيبة، والمال حكمة، والعمر الطويل استحقاقا أخلاقيا. لكن المأساة الكبرى ليست في اختلال المقاييس، بل في اعتيادنا هذا الاختلال حتى صار قانونا غير مكتوب، وفضيلة يتوارثها السطحيون.

لسنا في زمن يُقاس فيه العقل بعمق الرؤية، بل بعدد الكلمات المصروفة بلا معنى. الثرثرة اليوم تاج، والصمت تهمة، ومن يرفع صوته أعلى يُمنح صفة المفكر، ولو كان فكره خواء يرن كعلبة فارغة. كأن العقل صار حبلا صوتيا لا بصيرة، وكأن الحكمة خجل يجب أن يختبئ.

أما العلم، فقد هُزِل حتى صار عدّادا للحفظ لا للفهم. تلميذ يحفظ ألف مسألة يُتوَّج عالما، وأستاذ يشكك ويحلل ويهدم المسلمات يُنظر إليه بريبة. لم يعد السؤال بوابة المعرفة، بل صار خطيئة، ولم يعد الشك أداة عقل، بل تهديدا للنظام الكسول الذي يقدس الإجابات الجاهزة.

والجاه، ذلك القناع السميك، لم يعد ثمرة للفضائل، بل مكافأة على القدرة على الدهس بلباقة. الأشرار لا يصعدون لأنهم أذكى، بل لأنهم أقل ترددا، وأقل إحساسا بالذنب. الفضيلة بطيئة، مترددة، تفكر مرتين، بينما الرذيلة تجري بلا كوابح، فتسبق، ثم تُصفق لها الجموع.

أما المال، فقد انقلب من وسيلة إلى مقياس كوني. الغني يُفترض أنه أعقل، ولو جمع ثروته من حماقة جماعية، أو من استغلال فج، أو من صدفة بلا استحقاق. والحكيم، إن كان فقيرا، يُنصح بالصمت، كأن الفقر دليل خلل في التفكير لا في العالم.

ولو كان العمر يُمنح على قدر النفع، لما طال عمر السفاحين، ولا شابت لحى الطغاة وهم فوق صدور الناس. لكن التاريخ، ببروده القاسي، يثبت أن البقاء لا علاقة له بالاستحقاق، وأن الأرض لا تميز بين دم ودم، ولا بين يد تبني ويد تهدم.

الأخطر من كل ذلك أن هذا الواقع لم يعد صادما. لقد تعايشنا معه، وصرنا نبرره، ونمنحه أسماء مخففة: سياسة، مصلحة، واقعية، دهاء. حتى صارت القيم الحقيقية تُتهم بالسذاجة، ويُنظر إلى الأخلاق كترف لا يليق بزمن “الناجحين”.

هذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة ميزان. حين يختل الميزان، لا تعود المشكلة في الأشياء، بل في طريقة وزنها. وحين نكف عن السؤال: لماذا يتصدر التافهون؟ ولماذا يُهمش الحكماء؟ نكون قد قبلنا الهزيمة دون معركة.

إن أعنف الثورات لا تبدأ في الشوارع، بل في العقول، حين ترفض المقاييس المزورة، وتعيد تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية. يومها فقط، سيتحول الصمت إلى حكمة، والسؤال إلى علم، والفضيلة إلى قوة، والحكمة إلى ثراء، ويصبح البقاء امتدادا للنفع لا مكافأة على الأذى.

وإلى أن يحدث ذلك، سيظل العالم مزدحما بالناجين، نادرا بالجديرين.


🌹دمتم 🌹بود🌹

✒️:عبدلاله مهيوب الجمالي 🇾🇪




0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية