الأحد، 25 يناير 2026

«لا تشهد موتي» قصة قصيرة ساخرة للكاتب. طاهر عرابي

 



«لا تشهد موتي»


قصة قصيرة ساخرة

بقلم: طاهر عرابي

(دريسدن — كُتبت عام 2023 ونُقّحت في 25.01.2026)


خرج الأرنب، جوم، يومًا ليتفقّد الطقس، فعاد بعد نصف ساعة مبلّلًا ومرتجفًا، يحتار كيف يعلّل تعاسته أمام زوجته التي لم تكن راضية عن خروجه قبل حلول الربيع.

عاد يرتجف، يتنفّس من نصف أنف وربع فم، وبالكاد يملأ رئتيه بهواءٍ مفيد.


صرخت زوجته:

– هذا الزكام له فأل سيّئ للغاية، أخاف من تبعاته وأنت لا تبالي!

ويا قهري حين تزوّجتك!

لم أكتب في عقد الزواج شيئًا يجعلني أسيطر به على تصرّفاتك المتهوّرة.


همس بصوت مبحوح:

– ميرمية؟ نعناع؟ أي شيء… لقد تجمّدت، وأشعر أن المطر يجري في عروقي. هل يرضيك شقائي؟

حتى لو كتبتِ في عقد الزواج: «ممنوع الخروج قبل حلول الربيع»، فلن نستفيد شيئًا. خرجتُ وعدتُ بتجربة قاسية.


قالت، وهي تعلّق منشفة على كتفيه:

– لا تحوّلني من بريئة إلى ضحية، وتنسى أنك من خرج بلا تفكير.

أمّا عقد الزواج، فلا يمنع من إضافة بنود تضمن سعادتي.


وأضافت:

– والأفضل أن تبيت خارج البيت… أخشى على أولادي من العدوى. هل أنت شجاع بما يكفي لتكون حريصًا على أولادك؟


دفعته خارج البيت، فبات ليلته بصعوبة بين سنابل القمح الغضّة الرطبة.


في الصباح أفاق، أعاد تحسّس أنفه، واستنشق هواءً خفيفًا، فضحك وقال لنفسه:

«زوجتي قاسية… لم أعطس، ولم أتنفّس من وجهي. سامحها الله. لا بدّ من ربيع جديد نخرج فيه معًا ونحيا بين الورود بدل الشجار في كهف تحت الأرض».


أكل الكثير من الفاصولياء الخضراء وأوراق الشمندر حتى انتفخ بطنه، فلم يستطع المرور من فتحة البيت ليعود إلى زوجته. فنصحته، وهي غاضبة جدًا، أن يجلس عند الباب وينام حتى يشعر بخفّة في بطنه.


مرّ ثعلب مغرور، تخرّج لتوّه من مدرسة الحيلة، فقال له:

– ألا تهرب مني؟


قال الأرنب:

– لا أستطيع، بطني منتفخ، وأنا مجرّد حارس هنا. وبصراحة، في الداخل العديد من الأرانب، قالوا لي: احرسنا من الثعلب. على ما يبدو لهم تجربة قاسية مع الثعالب.


قال الثعلب بغرور:

– لا تقلق، سأدخل وأُخرجهم جميعًا، وسأعطيك أنا أجرًا. سأحميك من بطش إخوتي الثعالب.


حفر الثعلب موسّعًا الباب حتى أُغمي عليه من التعب، ثم حشر نفسه مراتٍ عدّة داخل الفتحة، حتى تأكّد أن الباب يتّسع له حتى ولو خرج مع أرنبين آخرين.


عندها رأى الأرنب أنه يستطيع الدخول أيضًا، فدخل وأطلّ برأسه قائلًا:

– انتظر، سأدخل أولًا لأتأكّد أن الأمر آمن. كوني حارسًا، فأنا أتمتّع بثقتهم في الداخل. اجلس هنا وارتح، لقد استحققت ذلك.


دخل الأرنب وسدّ الباب بحجارة كان يخبّئها لأيام الخطر.


أفاق الثعلب من غفوة قصيرة، فوجد الحجارة تسدّ الباب، والأرنب قد اختفى.

تذكّر الموقف وجرى هاربًا من خيبته، فصادف في طريقه غرابًا يتسكّع بملل، فقال له:

– تصوّر، ولأول مرة في تاريخ الثعالب يكون أرنب أذكى… هذا شيء لا يُطاق. كان عليّ ألّا أُحدّثه. كذب وتحايل ونجا وأذلّني بفطنته.

تخيّل أنني تخرّجتُ بالأمس من مدرسة الحيلة البارعة!

لو سمع المعلّم بما جرى لي، لرسبني ومزّق شهادتي وأعادني إلى المدرسة من جديد، وربما لن أحملها طيلة حياتي.


تظاهر الغراب بأنه يستمع ويتفاعل عاطفيًا ويشجّعه على قول كل شيء، ثم أخذه وجلسا تحت شجرة، وقال له بهدوء:

– إذن، فتحة الباب كانت ضيّقة، وأنت من وسّعها، والأرنب كان حارسًا؟


ردّ الثعلب:

– نعم، وهذا ما حصل بالفعل. أحيانًا تكون الغفلة مصيرًا… يُربك، ولكن من منّا يُبدي الحذر أمام الشهوة؟


قال الغراب بصراحة:

– لديك ثغرات في المنطق، وأنصحك أن تمزّق شهادة الحيلة بنفسك اليوم قبل الغد. فمن الصعب أن يحتال الثعلب على نفسه ويمضي متعثّرًا، وهو يعلم أن أرنبًا ضعيفًا قد تحايل عليه وقهره.

السؤال الأول في المنطق: منذ متى يعمل الأرنب حارسًا؟


وهنا المصيبة: أنك قبلت ذلك ولم تفكّر، لكونك جشعًا، وقلت في نفسك: «أرانب كثيرة تنتظرني».

اسمع جيدًا: إذا سيطر الجشع على العقل، حدث الفشل.

وعليك بقبول الهزيمة، فقبولها يمهّد الطريق لتحاشي فشلٍ أكبر، وقد يقودك إلى موتٍ محتّم.


ثم التفت إليه وسأله:

– هل أنت جائع؟


قال الثعلب:

– نعم، وجائع جدًا. هل هذا هو السؤال الثاني في المنطق؟

وأنت تعلم الآن تفاصيل القصة، وهل قلتُ في كل حديثي معك إنني أكلت؟


فقال الغراب:

– إذن تعلم أن الأرنب أذكى منك… وخرس طيلة عمرك. أردتُ مواساتك وأخطأت، وعلى ما يبدو حتى لو مزّقت الشهادة، فهذا لا يكفي؛ لا بدّ من تأنيبك.


حمل غصنًا بمنقاره، وغرسه في الأرض، واتّكأ عليه وهو يمرجح قدمه اليمنى، وقال:

– الجميل أني صحوتُ باكرًا، ووجدتُ طعامًا لذيذًا ينتظرني. لم أحزنه، والتهمته بهدوء؛ لهذا لستُ مضطرًا لتركك وحيدًا تعاني من موجات الفشل، وهي قاسية، صدّقني.

والغريب الرائع، وما فتح شهيتي على الإفطار، كان بالقرب من مائدتي زوجٌ من الأرانب يقضمون العشب بسعادة.


نعم، قَتلك شيء لا تشعر به… إنه الغرور.

لا، ليس لأنك غبي أو مغيّب عن الواقع، أبدًا.

بل لأنك تتعجّل كل شيء:

تتعجّل الصباح،

وتتعجّل الإفطار،

وتتعجّل النوم،

وتتعجّل قدراتك على التحدّي دون أن يدفعك أحد.

أرنب مسكين ممدّد على باب بيته لن يقاومك بشيء.

ألم تفكّر إلى أين أخذتك السذاجة؟


إنك تعيش أزمة دون أن تشعر أنك أزمة،

بمعيار الإهانة الذاتية. ما أصعبها على النفس، تلك الإهانة الذاتية؛ إنها تشبه الوخز الدائم في الجسد والروح معًا.

لم يُجبرك أحد، لكنك مأزوم حقًا وتصرفت بغباء.

يا أخي، تعلّم البقاء دون غرور مقابل المتعة في الراحة.


صرخ الثعلب قائلًا:

– وسّعتُ الباب ولم أشعر بالذلّ والمهانة، وكدتُ أموت جوعًا ولم أشعر بقرب الأجل، وأنت تتبع سياسة الحرق بلا دخان!

وبّختني، أهنتني، ولقّنتني دروسًا لا حاجة لي بها.

يا أخي، كان بيت الأرانب فارغًا، والأرنب الحارس كذبةً مني، ولم أوسّع الباب لا شفقةً على السكان ولا من أجل اصطياد أرنبٍ غافٍ.

اتركني… أرجوك.


ما هذا؟ وحسب المنطق، ربما نموت ونحيا ونحن نبرهن شيئًا واحدًا

ينقذنا من هول الصدمة، أيّ صدمة كانت:

المنطق هو الصمت الذي يبدأ وينتهي برضى.


كيف نبدأ؟ وكيف نقول: وصلنا إلى غاياتنا

ونحن نتلظّى من جور ما نريد؟


سأبيت الليل هنا، فابتعد عني، أرجوك.

لا تشهد موتي، لا تشهد موتي… أرجوك.

فهو أسمى ما نملك.

انصرف الآن، أريد السكينة… بصمتٍ يؤلم.


ارتعب الأرنب، الذي خرج ليتنفّس من ضيق البيت وتكدّس الحجارة التي حجبت الهواء والضوء، فاختبأ خلف الشجرة التي جلس الثعلب تحتها، والغراب يقدح بثقل الحكمة.


سمع الثعلب يقول، حانقًا متوتّرًا:

«لا تشهد موتي».


عاد الأرنب يرتجف خوفًا، وارتمى في حضن زوجته، وقال:

– مات الثعلب… قتله الغراب بثقل ومرارة الحكمة. أنبّهه وغطّاه بذلّ شديد، وقال له جملة قاسية: «إنك لم تتعلّم المنطق».

هل تعلمين ما هو المنطق؟

أغلقي الباب، أخشى أن أكون مذنبًا.


إن أشرقت الشمس وجاء الربيع، سنجدّد عقد الزواج ونكتب:

«لكلٍّ من الزوجين حق إلزام الآخر بالصمت،

والتنويه لأهمية المنطق».


دريسدن — طاهر عرابي


0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية