الجمعة، 28 أغسطس 2026

كذب المُنجمون.. ولو صدفوا بقلم الكاتب . مدحت عادل زكي

 كذب المُنجمون.. ولو صدفوا!



بقلم: م. مدحت عادل زكي

يا دافع البلا والمحن!

يبدو أن الدجال المصري كائن شديد الذكاء؛ لا ينقرض، وإنما يغيّر جلده كل عدة سنوات. زمان كان يختبئ في عشة آخر الحارة، تفوح منها روائح البخور وعظام الهدهد وخرز أزرق لا ينفع صاحبه ولا يضر، واليوم خرج علينا مكويًّا ومسرّح الشعر، يجلس في استوديو مكيف، وتقدمه المذيعة بكل وقار قائلة: "خبير الميتافيزيقا والطاقة الحيوية."

يا ساتر! كأن الرجل حاصل على الدكتوراه من جامعة "الجن الأزرق"، مع مرتبة الشرف في النفخ على الناس!

وبين برنامج يناقش هزيمة المنتخب، وآخر يشرح أسباب ارتفاع سعر الطماطم، تطل علينا سيدة الأبراج لتوزع الكوارث بالمجان: حرب هنا، وسيول هناك، وفنان سيرجع لزوجته، وسياسي سيصاب بوعكة، وبرج الجدي لازم يهدأ أعصابه!

ترمي مائة توقع، فإن تحقق واحد منها، خرج الأتباع يهللون: "ألم نقل لكم إنها ترى الغيب؟!"

يا سادة... لو أطلقت مائة حمار في سباق خيل، فلا بد أن يصل واحد منها إلى خط النهاية، ولو على سبيل الإحراج!

وهنا تذكرت فيلم البيضة والحجر؛ فالأفاق لا يبحث عن الأغبياء، وإنما يبحث عن الموجوعين. فالوجع يرهق العقل، واليأس يجعل الإنسان يتمسك بأي قشة، حتى لو كانت قشة من دخان.

وصديقي كان نموذجًا حيًا لذلك. كانت علاقته بصفحة "حظك اليوم" أشبه بعلاقة الموظف بدفتر الحضور والانصراف.

إذا قرأ: "يومك سعيد." خرج من البيت مبتسمًا، ولو دهسته سيارة لقال: "الحمد لله... أكيد ربنا صرف عني مصيبة أكبر."

أما إذا قرأ: "احذر من مشكلة." تحول إلى مشروع نكبة متحرك، ينظر خلفه كل دقيقة، ويتوقع أن يقع عليه سور، أو تصدمه دراجة، أو يطالبه أحد بدين نسيه منذ أيام الجامعة.

ولأن الهموم لا تفرق بين غني وفقير، ظل يلح عليّ أيامًا:

"تعال نروح لعم درويش... الراجل بيفك الكرب." وحاولت اقناعه بالعدول عن رغبته

"لكن المنطق لا يعمل في ساعات اليأس، والعقل وقتها يحصل على إجازة مفتوحة.

ذهبنا و دخلنا حارة داخل حارة، ثم زقاقًا داخل زقاق، حتى وصلنا إلى مكان لو ضاع منه العفريت نفسه لاستعان بالشرطة.

ورغم ذلك، كان الزحام أمام بيت "عم درويش" ينافس عيادات كبار الأطباء. فقراء وأغنياء، موظفون ورجال أعمال، وأناس جاءوا من بلاد عربية... فالوجع هو الجنسية الوحيدة التي لا تحتاج إلى جواز سفر.

دخلنا بالواسطة.

وجدنا الشيخ يرتدي جلبابًا مزركشًا، وأمامه مبخرة تكفي لإطلاق إنذار الحريق، وخلفه أشياء لا يعرف أحد وظيفتها إلا أنها تمنح المكان رائحة الغموض.

واضح أن الديكور في مهنة الدجل أهم من العلاج نفسه.

نظر إلى صاحبي نظرة عميقة، وقال بصوت ممثل مخضرم:

"واضح إنك شايل هم كبير... احكي يا ابني."

وهل يحتاج الأمر إلى عبقرية؟ كل من يدخل هذا المكان يحمل فوق كتفيه جبلًا من الهموم.

حكى صاحبي كل شيء، ثم قال في النهاية:

"أنا عايز أرتاح."

ابتسم الشيخ ابتسامة الواثق، قبض الرسوم، ثم قال جملته الذهبية:

"اطمن... متاعبك هتنتهي بكرة."

خرجنا من عنده، وصديقي يكاد يطير من الفرحة، وأنا أضحك في سري من جملة تصلح لكل الاحتمالات ولا تعني شيئًا محددًا.

وفي صباح اليوم التالي...

رن الهاتف.

جاءني صوت يختنق بالبكاء:

"فلان... مات وهو نايم."

تجمدت في مكاني، وعادت الجملة إلى أذني كالصاعقة:

"متاعبك هتنتهي بكرة."

وجلست أضحك ضحكة مرة... ضحكة من فهم اللعبة متأخرًا.

فالعبقرية ليست في معرفة الغيب، بل في صناعة كلام يحتمل كل شيء، ثم يفسره الواقع بأي اتجاه.

لو وجد وظيفة... انتهت متاعبه.

ولو سدد ديونه... انتهت متاعبه.

ولو تصالح مع زوجته... انتهت متاعبه.

ولو مات ودُفن تحت التراب... قالوا أيضًا: انتهت متاعبه!

هكذا يعمل الدجال.

لا يبيع الغيب، بل يبيع عبارات مطاطة، ثم يترك للمخدوع مهمة تفصيل الواقع حتى يناسب مقاس النبوءة.

ولهذا يبقى فيلم البيضة والحجر شاهدًا على الحكاية كلها؛ لأنه لم يكن عن دجال واحد، بل عن منظومة كاملة تعيش على وجع الناس حين يضعف العقل.

وفي النهاية... لا جديد.

كل شيء يتغير: الشاشات، المذيعون، الألقاب، الديكور...

لكن الجملة تظل ثابتة كالحجر:

كذب المنجمون... ولو صدفوا!


0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية