الكاتب القيصر علاء بن خيال و من كتاب فصاقيص الحب ...
نفس الزاوية، نفس الطاولة الخشبية التي شهدت ضحكاتنا القديمة... في مقهى هجرناه منذ عام، ربما أكثر.
لكنّ الضحك اليوم يتوشّح الغياب.
جلست مرتّبةَ القلب كعادتها، هادئة، لكنها كانت مشوّشةَ النظرة.
لم تسأل عن حالي، بل اختصرت كل كلامها بكلمة واحدة:
— "لماذا عدت؟"
ابتسمتُ ابتسامةً متعبة، وغصتُ في فنجان قهوتي، بعدما انتبهتُ أنني غمستُ إصبعي فيه، كما لو كنت أبحث عن تبريرٍ في القاع.
لأن شيئًا بداخلي لم يهدأ... إلا حين رأيتها.
شهقتْ بعينيها، لا من شفتيها.
أملٌ صغيرٌ ارتجف تحت رموشها، ثم حاولت أن تخنقه بصوت ثابت:
"أهذه محاولة للعودة؟"
صمتُّ، كأن الكلمات تخونني حين تكون حاضرة؛ ففي حضورها نسيتُ أنني سيّد الكلمات.
- "ظننتُ... أنك أخيرًا اخترتني."
قالتها بصوتٍ يشبه صوتَ طفلةٍ تنتظر أباها تحت المطر، خائفةً من أن يُغلق الباب في وجهها.
رفعتُ عيني، وببطء همستُ: "ظننتِ أنني عدتُ لكِ؟"
ابتسمتْ ابتسامةً مريرة... كمن قرأ نهاية الرواية قبل منتصفها.
- "كنتُ أتمنّى أن تكون النهاية لصالح قلبي. أن تكون لي، أخيرًا، بعدما اقتسمناكَ بالغيرة والخذلان. لطالما خذلتني وخذلتها."
أطرقتُ رأسي، كأن الكلام جريمة.
- "ما كنتُ أبحث عن النصر، كنتُ فقط أبحث عمّن تنجيني من نفسي."
صمتتْ.
لكنها لم تنكسر.
سألت، بحدّة أنثى تعرف أن الجواب سيؤلمها: "عدتَ إذًا... لأجلها؟"
"لا." أجبتُها، وكأنها طعنتني قبل أن يخرج اسمها.
رفعتُ رأسي، وقلتُ بصوتٍ واضح، كمن يحاول الانتصار لنفسه:
- "امرأة أخرى... ثالثة... لم تتقاتل، لم تغرَ، لم ترفع سيفًا ولا صوتًا. لم تحاصرني بأسئلتها، ولم تطالب بنصيبها بي. دخلت قلبي من بابٍ لم أكن أعرفه، وجلست هناك... دون ضجيج."
سكتُّ أنا، وسكتت طويلًا، ثم ضحكت ضحكةً قصيرة... ساخرة.
- "هكذا إذن... الرجل يُشعل النار بين امرأتين، ثم يُطفئها في حضن ثالثة."
ثم التقطتْ حقيبتها، واستدارت ببطء.
خطوتان، ثم التفتت نحوي فجأة، وعيناها تلمعان بجُرحٍ من نوعٍ أعمق:
ـ "لكن أخبرني... فقط لأطمئنّ:
حين لمستَ يدها، أما ارتجفت روحك؟
حين همستَ لها، أما سمعتَ صدى صوتي؟
حين قلتَ لها (أحبك)... أما مرّ اسمي بين شفتيك؟"
لم أجبها. كان الصمت وحده القادر على حمل تلك الحقيقة.
اقتربت خطوة، ونظرت في عينيّ نظرةَ عارفةٍ أنها وصلت الخاتمة.
- "ستعيش معها... ربما تحبها، لكنّك ستذوق عذابًا، ربما صامتًا... لأنك لن تنال مغفرتي."
ثم ابتسمت بخفّة، ورفعت ذقنها بعزّة امرأةٍ خُذلت ولم تسقط.
- "أنتم، يا معشر الرجال... أنتم السبب في كلّ ما تفعله النساء ببعضهن. أنتم أوّل شرارةٍ في كل حرب، وآخر رمادٍ في كل احتراق."
ومضت تمشي كأنها لا تنكسر أبدًا...
جلستُ وحدي، كأنني في فراغٍ لم يملأه يومًا سواها.
وحين صمت العقل قليلًا، أقنعتُ نفسي أنني الآن بريء من آلامها،
حتى وإن لم أحصل على غفرانها.
لا، بل ربما... أنني انتصرت لمن كانت تُنافسها، حين اقتحمت عليها في قلبي عرشها.
رفعتُ فنجاني، وشربتُ آخر ما فيه من مرارة، وهمستْ لي نفسي، كمن اكتشف الطريق أخيرًا:
- "فلتعد إلى امرأةٍ تنتظرك، وحتى وإن كانت هي الثالثة، لكنها أصبحت الأولى.
والأولى فهي كالنهر، جاءت لتُطفئ نارًا أشعلتها النساء."
من كتابي الحب 2
القيصر علاء بن خيال


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية