حكايات الراكية .. ق.ق للكاتب طارق الحلواني
حكايات الراكية ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
كانت ساعة عصارى..
الشمس ماسكة طرف الأرض بخيط دافئ، كأنها بتحاول ما تسيبش اليوم يقع من إيديها.
عند رأس الغيط، جنب ساقية بتاخد الميّة من فوق وتديها للي تحت، كأنها بتعلّم الدنيا درس العدل اللي محدّش بيمشي عليه..
قعد منصور وحسّان تحت شجرة توت عجوزة، واقفة على رجليها من أيام جدودهم.
قدّامهم سيجا محفورة في التراب.. وكوبايتين شاي على نار الراكية.. وحكايات ما بتخلصش، تبتدي كل يوم قرب مغيب الشمس، كأن الزمن بيستأذن منهم قبل ما يمشي.
- مرّ عليهم محمد، شايل شنطة سفر، عينه حمرا وصوته بيرتعش:
- "تعبت من إني أستنى.. لازم أمشي في الطريق الصح. البلد دي بقى الحلم فيها جواز سفر. قبل ما أمشي.. صبّولي كوباية شاي أفتكر بيها ريحة بلدي."
شربها في هدوء… ومشي زيه زي اللي قبله.. ساب وراه ريحة وجع أكتر من ريحة الشاي.
سكتوا شوية..
ومع وشّ الريح، وقع ضلّ أبو قردان فوقهم.
ضحك حسّان نص ضحكة:
— "حتى الطير بقى غريب.. دا مش بتاعنا، دا مستورد.. واقف على الشجرة ومش فاهم أرضها."
هزّ منصور راسه وقال:
— "زيّنا.. لا لقينا فايدة في الاشتراكية ولا الرأسمالية..ولا التغيير جاب لنا غير العطش."
أنظمة كلها شبه بعض..
وكل واحد يقول:
"أنا.. وبس وغيري ما ينفعش."
مصانع اتباعِت..
فلاحين اتسابوا في مع نظرية عرض وطلب..
والحلم وقع، ومحدش مدّ إيده يشيله.
ضحكوا ضحكة صغيرة… ضحكة اللي فاهم الحقيقة بعد فوات الأوان.
قلب حسّان طوبة السيجا بين صوابعه:
- "فاكر أيام سِتّي إمباركة؟ كانت بتربي الطيور والغنم وتعمل جبنة وزبدة..وبيت أكبر من الفقر. دلوقتي بنتي حياتها في شاشة.. وأنا لسه ماسك في الدنيا القديمة."
- عدّى القطر.. ونزل منه شاب. سلّم وقعد على طرف السيجا، وبصّ لهم بابتسامة فيها وجع شباب كتير:
— "خليكوا قاعدين.. يمكن الأرض لسه بتحبكم. إحنا؟ خلاص.. فقدنا الأمل."
مسح منصور على التراب، وقال:
— "إحنا ضيّعنا حلمنا.. بس هل هنورّث لهم فشلنا؟ ولا الحلم لسه عايش وإحنا اللي كبرنا عليه؟"هزّ حسّان راسه:
— "يمكن هما أذكى… يمكن يعرفوا يشيلوا اللي وقع منّا. كل جيل بيحاول يصلّح اللي قبله… ويمكن ينجح."
هزّ الهوى التوتة… ووقع فرع صغير جوّه حفرة السيجا.ضحك حسّان:
- "التوتة كسبت!"
رد منصور وهو مبتسم:
- "دي عجوزة… بس ما وقعتش. لما الشجرة العجوزة تكسب… يبقى لسه الأمل ما ماتش."
وقفوا.. ظلّهم طويل، والشمس بتودّع آخر شعاع. مشوا جنب بعض، خطواتهم بطيئة كأنهم ماشين فوق ظهر حكاية.
قال حسّان وهو شايف ظلّ الساقية بيتحرّك على الميّة:
- "يا منصور.. الزمن اتغيّر؟ ولا إحنا اللي كنا بنعاند غلط؟"
رد منصور بعد ما خد نَفَس طويل:
— "إحنا اتشغلنا بعنادنا.. وسِبنا اللي يدوس علينا يعدّي."
رجع صوت الساقية يتقلّب…
نغمة واحدة، شبه الحكمة:
"اللي فوق.. ييجي يوم ويبقى تحت.. واللي تحت.. يطلع فوق."
وفي اللحظة دي..
وقعت ورقة توت صغيرة على كوباية الشاي اللي بردت.
بصّ لها منصور، وقال بهدوء:
- "شايف يا حسّان؟ حتى الورق الناشف.. بيلقي له مطرح."
رد حسّان بصوت هادي:
- "يمكن الحلم وقع منّا.. بس ما ماتش. يمكن دلوقتي في إيد ولادنا.. بيدوّر على شمس جديدة." والليل نزل..
والتوتة كأنها بتحضن الأرض..
والساقية بتلف.. والحلم، رغم كل حاجة.. فضِل.
طارق الحلواني
نوفمبر 2025


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية