الثلاثاء، 9 يونيو 2026

سوق الوراقين للشاعر سرحان محمد علي الكاكئي

 سوق الوراقين: رائحة الحبر الأزرق


في زاوية منسية من سوق الوراقين ببغداد، حيث تتزاحم رائحة الورق المجفف مع عطر المسك القادم من قوافل الشرق، كان دكان الشيخ عبد الله الوراق يمثل قلبا نابضا للمدينة. لم يكن دكانه مجرد مكان لبيع الكتب، بل كان ملاذا لعشاق الحرف، ومجلسا تدور فيه نقاشات الفلاسفة والشعراء بعد صلاة العصر.

كان الشيخ عبد الله، الذي خط الشيب لحيته، يجلس خلف طاولته الخشبية القديمة، يمسك بريشته المصنوعة من القصب بعناية فائقة، يغمسها في محبرة زرقاء صنعها بنفسه من مسحوق اللازورد. كان ينسخ كتابا في الفلسفة وعلم الفلك، يترجمه عن اليونانية، مؤمنا ان الحرف هو السور الحقيقي الذي يحمي بغداد من عاديات الزمن.

في تلك الليلة العاصفة، كانت قناديل السوق قد انطفأت كلها، الا قنديل الشيخ عبد الله الذي كان يقاوم العتمة. فجأة، تحطم صمت الأزقة بقرعات عنيفة على الباب الخشبي. دخل جنود الوالي بوجوه واجمة وسيوف مسلطة، وصاح قائد المعركة: "أنت تنشر أفكارا تفسد عقول العوام!". لم ينطق الشيخ بكلمة، بل نظر الى ريشته بأسى. صادر الجنود المحبرة، وجمعوا الأوراق والمخطوطات النادرة التي سهر عليها شهورا طويلة، واقتادوه الى الساحة العامة حيث اضرموا نارا هائلة أكلت جهده أمام نظراته المنكسرة.

قيل ان النار ظلت تشتعل حتى الفجر، وحين انصرف الجنود وظن الجميع ان المعرفة قد تحولت الى رماد، مر باعة الصحف والقراء بالساحة في الصباح الباكر، فدهشوا مما رأوا. لم يجدوا رمادا أسود، بل وجدوا ان الحبر الأزرق قد تسرب في أعماق الأرض، ونبتت من تلك البقعة أشجار خضراء غريبة، كانت أوراقها تهمس كلما حركها الهواء بأسماء الفلاسفة، وتلقي بقصائد العشق على المارين، لتعلن ان بغداد تموت إذا جف حبرها. 



سرحان محمد علي الكاكئي 

العراق

 



0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية