بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي جعل سلامة القلب نجاة، وجعل نقاء السريرة رفعة، وحذّرنا من قلوبٍ أكلها الحسد حتى أظلمت، ومن صدورٍ حملت من السواد ما لا يليق بمن يرجو لقاء الله... والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، خيرِ من حمل قلبًا رحيمًا، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد... @إشارة
اسمعوا هذه الكلمات من قلبٍ يؤلمه ما يراه،
لا من لسانٍ يريد أن يعاتب...
واللهِ إن القلب ليحزن... حين يرى إنسانًا لا يؤذيه فقرُه بقدر ما يؤذيه رزق غيره، ولا يتعبه نقصُه بقدر ما يتعبه نجاح الآخرين، ولا يحرقه وجعه بقدر ما يحرقه أن يرى غيره سعيدًا!
أيُّ قلوبٍ هذه التي ضاقت بفرحة الناس؟!
وأيُّ أرواحٍ هذه التي لا تهدأ إلا إذا رأت غيرها يتعثر؟!
أيها الإخوة والأخوات الكرام... يا كلَّ من أتعبته الحياة، ويا كلَّ من ضاق صدره بما في أيدي الناس، ويا كلَّ قلبٍ أثقلته المقارنة، وأرهقه النظر إلى نعم الآخرين... إليكم أوجّه كلماتي، لا لأدين أحدًا، ولا لأكشف عيبًا، بل لأن القلب يؤلمني حين أرى بعض البشر يحملون في صدورهم ما يسرق منهم راحة الحياة قبل أن يؤذي غيرهم.
أيها الأحبة....
صفّوا قلوبكم... صفّوها قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه اعتذار، ولا يمحو الندم ما أخفته الصدور.
تمنّوا الخير لغيركم...
فالدنيا ليست ميدانًا نتصارع فيه على أرزاق بعضنا، وليست ساحةً نُسقط فيها بعضنا لنقف نحن، وليست طويلةً إلى الحد الذي يجعلنا نحمل في صدورنا حقدًا ثم نرحل به إلى الله.
الدنيا دارُ ممرّ... لا دارُ بقاء.
يومٌ يسوء... ويومٌ يسرّ.
يومٌ تُفتح لك فيه الأبواب... ويومٌ تقف فيه عاجزًا أمام بابٍ مغلق.
يومٌ تضحك فيه... ويومٌ تبكي.
ثم... تمضي الأيام، ويمضي العمر، ونبقى جميعًا في طريقٍ واحدٍ إلى الرحيل.
فبالله عليكم...
على ماذا كل هذا الحسد؟
ولأجل ماذا كل هذا الحقد؟
ولماذا يتمنى بعض البشر أن يخسر غيره، وكأن خسارة الناس ستُضيف إلى عمره عمرًا، أو إلى رزقه رزقًا، أو إلى قلبه راحةً؟!
واللهِ ما خسر أحدٌ لأنه رأى غيره سعيدًا... ولكن بعض القلوب لا تعرف خسارتها إلا في اللحظة التي تتمنى فيها الخسارة لغيرها.
احفظوا هذه الكلمات جيدًا...
بعض النوايا الجميلة تُرزق قبل أصحابها... وبعض الدعوات التي تخرج من قلبٍ صادق لغيره، تعود على صاحبها من أبوابٍ لم يكن يتوقعها.
فلا تبخلوا على أحدٍ بدعوة...
ولا تضيقوا برزق أحد...
ولا تنزعجوا من نجاح أحد...
قولوا: اللهم بارك.
قولوا: اللهم زدهم من فضلك.
قولوا: اللهم ارزقنا كما رزقتهم، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا.
فما أجمل القلب حين يرى الخير عند غيره... فيبتسم.
وما أعظم الروح حين ترى النعمة في يد غيرها... فتبارك.
وما أكرم الإنسان حين يرى من هو أسعد منه... فيدعو له أن يديم الله عليه نعمته.
أما أن تعيش تراقب...
من تزوج؟
من اشترى؟
من رُزق؟
من نجح؟
من سافر؟
من ضحك؟
ثم يعود قلبك كل ليلة مثقلًا لأن حياة الناس لم تتوقف لتناسب حزنك...
فهذه ليست حياة ... هذا عذابٌ يصنعه الإنسان لنفسه بيديه.
وما تزرعونه في قلوب الناس اليوم... قد يعود إليكم يومًا، ولو ظننتم أن الأيام قد نسيت.
إن زرعتم حبًا... وجدتم حبًا.
وإن زرعتم خيرًا... وجدتم خيرًا.
وإن جبرتم خاطرًا... جبر الله كسركم.
وإن أوجعتم قلبًا... فلا تأمنوا دعوةً خرجت منه ورفعتها السماء.
ازرعوا ما تحبون أن تجدوه في طريقكم... فمن زرع حصد، ومن جدّ وجد، ومن عمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره، ومن عمل مثقال ذرةٍ شرًا يره.
أيها الأحبة....
لا تجعلوا قلوبكم تحمل ما لا يليق بها.
لا تحملوا حقدًا على من لم يظلمكم...
ولا حسدًا لمن لم يأخذ من رزقكم شيئًا...
ولا أمنيةَ سقوطٍ لإنسانٍ لم يكن ذنبه إلا أن الله أكرمه بما لم يكتبه لكم.
فالله لم يظلمكم حين أعطى غيركم... ولم ينقص من رزقكم حين وسّع على سواكم.
ارفعوا أيديكم إلى السماء واطلبوا من الله ما تشاؤون...
فخزائن الله لا تنفد، وعطاؤه لا ينقص، ورزقه لا يحتاج إلى أن يخسر أحدٌ حتى تربحوا أنتم.
وأقولها من قلبٍ ينزف على حال بعض البشر...
مؤلمٌ أن ترى إنسانًا يرفع يديه يدعو، وفي قلبه أمنيةٌ أن تزول نعمة أخيه المسلم.
مؤلمٌ أن تسمع كلمة: «مبروك»... وتعرف أن خلفها قلبًا يتألم.
مؤلمٌ أن ترى ابتسامةً على الوجه، وخنجر الحسد مخبأً في الصدر.
ولكن تذكّروا... الله يعلم.
يعلم خائنة الأعين...
ويعلم الكلمة التي أخفيتم خلفها الحسد...
ويعلم الابتسامة التي غطّت الحقد...
ويعلم ما تخفي الصدور...
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾
فلا تخدعوا أنفسكم...
قد تخدعون الناس بكلماتٍ جميلة، لكنكم لن تخدعوا الله بقلوبٍ لم تتطهر.
يا من تسمعونني...
تمنّوا الخير لغيركم... ليس كلامًا يُكتب ويُنسى، بل اجعلوها طريقة حياة.
إذا رأيتم نعمةً... باركوا.
إذا رأيتم نجاحًا... افرحوا.
إذا رأيتم رزقًا... ادعوا لصاحبه بالبركة.
وإذا ضاق صدركم مما عند الناس... فتذكّروا أن باب الله مفتوح، وأن خزائنه لا تُغلق في وجه أحد.
صفّوا قلوبكم أيها الأحبة... فوالله ما أجمل أن تلقوا الله يومًا وليس في صدوركم حسدٌ أخفيتموه، ولا حقدٌ حملتموه، ولا أمنيةُ خسارةٍ تمنّيتموها لأحد.
الدنيا دارُ ممرّ... يومٌ يسوء، ويومٌ يسرّ... فلا تجعلوا أيامكم القليلة تُستهلك في مراقبة من حولكم، وأنتم عن قلوبكم غافلون.
اللهم إنّا نعوذ بك من قلبٍ قاسٍ، ومن صدرٍ يحمل الحقد، ومن نفسٍ تضيق بنعمك على عبادك، وطهّر قلوبنا حتى نلقاك بقلوبٍ لا تحمل إلا الخير، وارزقنا نوايا جميلة تسبقنا إلى أبواب رحمتك.
وتذكّروا دائمًا... ما تزرعونه في قلوب الناس اليوم، قد يعود إليكم يومًا... فازرعوا خيرًا، وتمنّوا الخير، ولا تجعلوا قلوبكم تحمل ما لا يليق بها.
فبعض النوايا الجميلة تُرزق قبل أصحابها... وبعض القلوب لا تخسر إلا حين تتمنى لغيرها الخسارة. 🤲🤍
أخوكم المحب والمخلص لكم
فراس موسى السمور