نشيد الاعماق للكاتبة لينا السعدي
(نشيد الاعماق )
لينا السعدي
العراق
منذ طفولتها، كانت تسرق لحظات من النهار لتغرس بذرة في التراب، كأنها تغرس قلبها في الأرض.
كل صباح كانت تأتي إليها تلمسها بيديها الصغيرتين تهمس لها كصديقة سرية وتخبرها بأحلامها: أن تلمس السماء وأن تحمي الأرض من وحدتها.
مرت الأيام ونمت البذرتان
الأولى هشة، ساقها رقيق وأوراقها متناثرة تتمايل مع كل نسمة وثمارها نادرة كأنها تحمل حلمآ خجولآ يخشى الظهور.
أما الثانية، فكانت شجرة باسقة أغصانها ممتدة بقوة أوراقها كثيفة وثمارها تتدلى كثقل الأحلام التي لا تهزها الرياح.
جلست الفتاة قرب الشجرتين ملمس اللحاء الخشن يقرع قلبها ورائحة التراب الرطب تتسلل إلى أنفها وهمسات الريح بين الأوراق تعزف سيمفونية من خوف وقوة.
شعرت أن الأشجار ليست مجرد نباتات بل كائنات تتنفس، تتألم، وتفرح مثل البشر.
اقتربت أولآ من الشجرة الصغيرة، ساقها المرتعشة تحت يديها كأنها تقول بصمت:
"لا جدوى… لا جدوى."
وضعت الفتاة خدها على جذعها وهمست بخفوت:
"لماذا لا تكبرين؟"
فأجابتها الشجرة بصوت خافت كأنه تنهيدة قلب يائس:
"لماذا أتعب نفسي؟ سيأتي الطائر ينهش أوراقي، يبني عشه، ثم أموت… لا أملك قوة لأقاوم."
دمعت عينا الفتاة، وقالت:
"الأرض تحفظ جذورها… والقلوب وحدها تختار النسيان."
ثم التفتت نحو الشجرة الكبيرة، جذورها غائرة في الأرض وساقها صلبة لا تهتز أوراقها تتحدى الريح والطيور بعناد.
سألتها:
"وأنتِ، لماذا تقاومين؟"
فأجابتها الشجرة بصوت عميق، كأن الأرض نفسها تتكلم:
"جذوري تشدني إلى الأعماق، الرياح لا تقتلعني، الطيور تهابني. أنا أقوى لأنني اخترت الحياة رغم كل المخاطر."
ابتسمت الفتاة، دمعة انزلقت على خدها، وضحكت ضحكة من فهم سر الليل والحياة وضحكة من لمس القوة في الضعف ذاته.
بين الشجرتين، بين حياة وموت، أدركت أخيرآ سر الأرض: أن الحياة تزهر لمن يجرؤ على الثبات، حتى حين يهدر الظلام.
ثم همست لنفسها وهي تغادر كأنها تكتب نشيدآ أبديآ :
"الأرض تحفظ جذورها… والقلوب وحدها تختار النسيان."


0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية