"عِتَابُ الدَّهْرِ"
رَحَلْتِ وَخَلَّفْتِ الجَوَى فِي حَشَايَا
وَقَلْبَاً عَلَى جَمْرِ الفِرَاقِ تَقَلَّبَا
أُنَادِيكِ يَا كُلَّ المُنَى فِي زَوَايَا
فُؤَادِي، فَيَرْتَدُّ الصَّدَى مُتَعَذِّبَا
أَمُرُّ عَلَى الدَّارِ الَّتِي كُنْتِ فِيهَا
فَأُبْصِرُ طَيْفَاً مِنْكِ فِيهَا مُخَضَّبَا
بِذِكْرَاكِ، حَتَّى البَابُ يَبْكِي حَنِينَاً
وَتَسْأَلُنِي الجُدْرَانُ: أَيْنَ الَّتِي ذَهَبَا؟
سَقَيْتُكِ مِنْ نَبْعِ الوَفَاءِ قَصَائِدِي
فَلَمَّا ارْتَوَيْتِ، القَلْبَ عَنِّي تَجَنَّبَا
وَغَادَرْتِنِي وَاللَّيْلُ يَنْهَشُ وَحْدَتِي
وَصُبْحِي بِلَا عَيْنَيْكِ لَيْلٌ تَغَرَّبَا
وَلَكِنَّنِي مَا جِئْتُ أَبْكِي عَلَى الهَوَى
وَلَا جِئْتُ أَسْتَجْدِي وِصَالاً تَهَرَّبَا
أَنَا ابْنُ النَّخِيلِ الشُّمِّ تَعْلُو رُؤُوسُهَا
وَتُسْقَى بِمَاءِ العِزِّ لَا مَاءِ مَنْ أَبَى
إِذَا كَانَ قُرْبُكِ فِيهِ ذُلٌّ لِعِزَّتِي
فَبُعْدُكِ أَوْلَى لِي، وَإِنْ كَانَ مُتْعِبَا
كَرَامَةُ قَلْبِي فَوْقَ حُبِّي وَفَوْقَكِ
وَنَفْسِي عَلَى نَارِ النَّوَى تَتَغَلَّبَا
سَأَمْضِي وَفِي كَفِّي بَقَايَا مِنَ الإِبَا
وَأَتْرُكُ لِلأَيَّامِ حُبَّاً تَخَرَّبَا
فَإِنْ عُدْتِ يَوْمَاً تَطْلُبِينَ مَوَدَّتِي
وَجَدْتِ فُؤَادَاً بِالكَرَامَةِ قَدْ كَبَا
وَلَسْتُ الَّذِي يَرْضَى بِوَصْلٍ مُذَلَّلٍ
أَنَا المَوْتُ عِنْدِي أَهْوَنُ مِنْ أَنْ أُحَبَّبَا
فَيَا أَيُّهَا الهَوَى أَمَا كُنْتَ تَدَّعِي
بِأَنَّكَ لِلْعُشَّاقِ جَنَّاتُ مَنْ رَبَا؟
فَمَا بَالُ جَنَّاتِكَ صَارَتْ مَقَابِرَاً
وَوَرْدُكَ أَضْحَى فِي يَدِي شَوْكَ عَقْرَبَا؟
وَيَا دَهْرُ قُلْ لِي كَيْفَ تَغْدِرُ بِالفَتَى
وَتُعْطِيهِ مِنْ كَأْسِ المَحَبَّةِ مَشْرَبَا
وَتَسْقِيهِ بَعْدَ الوَصْلِ كَأْسَ قَطِيعَةٍ
فَيَشْرَبُهَا مُرَّاً وَيَمْضِي مُعَذَّبَا؟
أَكُلُّ الوَفَا فِي شِرْعَةِ العِشْقِ خَائِنٌ
أَمِ النَّاسُ بَعْدَ الوَصْلِ تُبْدِي التَّقَلُّبَا؟
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَغِيبِينَ عَامِدَةً
لِتَخْتَبِرِي صَبْرِي؟ فَقَدْ ذُقْتُ مَا أَبَى
أَنَا مَا كَرِهْتُ العِشْقَ لَكِنْ كَرِهْتُهُ
لِأَنَّكِ فِي دَرْبِ الهَوَى كُنْتِ مَذْهَبَا
فَإِنْ كَانَ هَذَا الحُبُّ ذَنْبَاً فَإِنَّنِي
بَرِيءٌ، وَذَنْبِي أَنَّنِي كُنْتُ طَيِّبَا
تَوَهَّمْتُ أَنَّ الوَصْلَ دَارُ كَرَامَةٍ
فَأَلْفَيْتُهُ سِجْنَاً لِعِزِّي مُخَرَّبَا
خُلِقْتُ لِأَحْيَا شَامِخَ الرَّأْسِ لَا أَرَى
سِوَى المَجْدِ لِي دَرْبَاً، وَلِلذُّلِّ مَذْهَبَا
فَلَا تَحْسَبِي أَنِّي عَلَى البَابِ وَاقِفٌ
أُعَلِّلُ نَفْسِي بِاللِّقَاءِ وَأَرْقُبَا
طَوَيْتُكِ طَيَّ الصَّحْفِ بَعْدَ قِرَاءَةٍ
وَقَدْ كُنْتِ لِي سِفْرَاً مِنَ التِّيهِ مُعْشِبَا
وَإِنِّي إِذَا اسْتَسْقَى الفُؤَادُ مَوَاجِعِي
سَقَيْتُ الأَسَى صَبْرَاً فَأَصْبَحَ مَشْرَبَا
سَأَبْنِي مِنَ الذِّكْرَى دُرُوبَاً جَدِيدَةً
وَأَمْحُو خُطَى مَنْ بِالتَّجَافِي تَذَبْذَبَا
فَيَا دَهْرُ إِمَّا أَنْ تَجُودَ بِمُنْصِفٍ
وَإِمَّا تَرَكْتُ الحُبَّ فِي القَبْرِ مُتْعَبَا
وَمَا كُنْتُ يَوْمَاً بِالخُضُوعِ مُرَوَّضَاً
وَلَا كَانَ قَلْبِي لِلْمَذَلَّةِ مَلْعَبَا
فَإِنْ قِيلَ مَاتَ العَاشِقُونَ تَصَبُّرَاً
فَإِنِّي حَيِيتُ العِزَّ، وَالمَوْتُ أَطْيَبَا
✍️ بقلم: أحمد عبدالفتاح بن دهمش